خارطة التكفير عبد العزيز نصيرة

 

خارطة التكفير

وإذا كان يحلو لبعض الباحثين أن ينسب للمصريين تهمة تحويل بن لادن إلى تكفيري للأنظمة والشعوب، فإن الوقائع التي يذكرها منصور النقيدان (الكاتب الليبرالي) حول خارطة التكفير في السعودية، تكاد تفصح بأن البيئة تعج بعوامل الإقصاء والتكفير حتى للدولة السعودية نفسها وليس الأمر مقتصراً على عصام البرقاوي المعروف بأبي محمد المقدسي في كتابه “الكواشف الجلية في كفر الدولة السعودية”.

وحسب النقيدان ثمة سلفيون جدد كوًنوا ما عرف بالسعودية بالسلفية المجاهدة وأبرز رموزها الشيخ الراحل حمود بن عقلاء الشعيبي والشيخ عبد العزيز الجربوع الذي صنف كتاباً في تأصيل ما حدث لأمريكا من تدمير في 11 أيلول (سبتمبر) 2001.

والسلفية الجديدة تقتفي نهج الشيخ ابن باز وعلماء الوهابية، وبعض آراء واجتهادات عالم الحديث الراحل محمد ناصر الدين الألباني في الفقه والحديث. وكان حي السويدي في الرياض هو قاعدة هذا التيار.

ويقول النقيدان إن الفضل يعود في نبش تراث التكفير، تكفير الحكم السعودي بالأخص، إلى اثنين :أولهما “أبو محمد المقدسي” الفلسطيني الذي كان يقيم في الكويت، وتم إبعاده إلى الأردن بعد تحرير الكويت. ورسالته “ملة إبراهيم” تعتبر دستور التكفيريين، ويؤكد مطلعون على أنها في الأساس تحشية على رسالة قديمة لجهيمان العتيبي تحمل الاسم نفسه!

أما الآخر فهو اسم تجهله الغالبية العظمى من الإسلاميين في السعودية. وهو أبو سبيع وليد السناني وما يزال موقوفاً في سجن الحاير منذ ثماني سنوات، وله حضور طاغ في مجالس المناظرة التي كانت تجري بينه وبين من يخالفونه الرأي من معجبيه، أو من خصومه على حد سواء.

وقد ألف أبو سبيع رسالة موجزة عن حكم ( التحية العسكرية) توصل فيها إلى أن التحية العسكرية كفر وردة عن الإسلام لما فيها من إظهار الخضوع لغير الله، وكان يقوم بنشرها بنفسه.

وهناك أيضاً أهل الحديث /أخوان الحرم (جهيمان العتيبي ومجموعته) بمنشوراتهم وكتيباتهم التي كانت تطبع في الكويت وتهرب إلى السعودية قبل حادثة الحرم أواخر سبعينات القرن الماضي، ومنها (الرسائل السبع) التي أعيد إحياؤها وبعثها أواخر الثمانينات يعني بعد أقل من عشر سنوات من القضاء عليهم، وإن لم تكن رسائلهم من الوضوح والصراحة كما في كتب المقدسي.

يضاف إليهم الشيخ مقبل بن هادي الوادعي، قبل حرب الخليج الثانية وعقيبها بسنتين، حيث كان أحد روافد التكفير في السعودية.

قام الوادعي أوائل الثمانينات بتأليف كتاب تناول فيه أطياف الإسلاميين الموجودين في السعودية والخليج، وهو كتاب” المخرج من الفتنة” أبدى فيه تعاطفاً واضحاً مع أهل الحديث، وأنحى باللائمة فيه على الحكومات العربية والسعودية على وجه الخصوص، وفي كتابه (السيوف الباترة لإلحاد الشيوعية الكافرة) هاجم الوادعي السعودية في ثمانية مواضع من الكتاب وشكك في شرعية نظامها. كان للوادعي علاقة وطيدة بأهل الحديث قبل طرده من السعودية عام 1979.

وفي أواخر عام 1990 بدا للأجهزة الأمنية أن الأشخاص الذين تستوقفهم مراكز التفتيش الأمنية، ولا يحملون (التابعية) أو البطاقة الشخصية، هم بازدياد. فقدكان البعض يمزق بطاقته، لأجل الصورة الملصقة التي يعتقد تحريمها، ولأمر ثان وهو الأهم أن كونك تحمل (تابعية) أوهوية سعودية، هو إقرار بالتبَعية لنظام طاغوتي كافر.

رسائل جهيمان كانت تتناول أحاديث نبوية ممايخص المغيبات والملاحم والفتن التي ستعرض لأمة الإسلام آخر الزمان، وكانت له تفسيراته الخاصة التي لم يسبق إليها لعدد من الأحاديث، ومنها أحاديث المهدي، فقد كان هناك توطئة وتمهيد وتبشير لمهديه الذي قتل في الحرم (محمد بن عبدالله القحطاني).

أُما الصحويون (الأخوان المسلمون السعوديون)، سلمان العودة وسفر الحوالي فهم الذين يستأثرون بحصة الأسد من الإسلاميين والشارع في السعودية كما يؤكد النقيدان.

وسلفية المدينة أو الجامية، نسبة إلى د.محمد أمان الجامي أستاذ العقيدة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وهو تيار سلفي حظي برعاية أجهزة الأمن الحكومية، لمواجهة الشعبية الكاسحة للعودة والحوالي.

“وشكلت حرب الخليج الثانية منعطفاً مهماً في تطور مراحل هذا الفكر، وإعادة ترتيب تحالفاته، كما أنها أعادت تشكيل الظاهرة الإسلامية في السعودية بعامة، حيث تم تطعيمها بأفكار أكثر جذرية وراديكالية، وحدث ماهو أشبه بتبادل المقاعد بين تلك الألوان، كما أن الملمس اللين لحركيي الصحوة وقياداتها التاريخية، تكشف عن وجه أكثر شراسة حينما أفتوا في محاضراتهم بتكفير اللواتي قمن بمظاهرة قيادة السيارات إبان حرب الخليج الثانية، وبوصفهم لمن أيدوهن أو تعاطفوا معهن بأنهم علمانيون مارقون، إلى موقفهم من مشاغبات غازي القصيبي وتكفيرهم له، كما أن موقفهم الرافض لوجود القوات الأمريكية، وضع شرعية الحكومة السعودية تحت النقاش، الأمر الذي أكسبهم شعبية مضاعفة، وجماهيرية مكتسحة، ساعدت على إضعاف مصداقية مشايخ المؤسسة الدينية التقليدية (ابن باز وابن عثيمين) لموقفهم المؤيد للحكومة فيما يخص تواجد القوات الأجنبية في الخليج والسعودية لتحرير الكويت.

افتقاد سلفية المدينة أو الجامية للمصداقية، أدى إلى انحساره في منتصف التسعينات، ولم يعد له اليوم حضور يذكر.

وإن مشاركة آلاف من السعوديين في الجهاد الأفغاني، إبان الاحتلال السوفياتي، أوجدت حالة من الاختلاط مع الجماعات الإسلامية الأخرى التي عرفتها المنطقة العربية، كالجماعة الإسلامية، والجهاد المصريتين، وجماعة التكفير، والوقف والتبين وغيرها ما أفسح مجالاً للتفاعل وتبادل التأثير.

..أما أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فقد أفرزت توجهين اثنين بارزين، أحدهما احتل الصدارة وهو السلفية الجهادية التي انضوى تحت جناحها غالب ألوان الطيف الأخرى وانصهرت في بوتقتها، والثاني بدأ في التخلق -من رحم أكثر التوجهات تطرفاً- منذ منتصف التسعينات، وله الآن حضور يزداد يوماً بعد يوم، وهو مايسمى بالتيار التنويري الإصلاحي، أو من يوصفون محلياً بـالعقلانيين الذين يشكلون خطاباً إسلامياً اكثر اعتدالاً وانفتاحاً.

الشيخ حمود العقلاء (الرجل الأبرز في مساندة السلفية الجهادية) كان أفتى بمقاومة أجهزة الأمن بالسلاح، وهذه الفتوى اليوم هي المعمول بها، وهذا ما يفسر ازدياد حالات إطلاق النار على الأجهزة الأمنية، كما أن لها فهمها الخاص بها تجاه المسلمين الذين يعيشون في أمريكا والدول التي تسير في فلكها، فهم يعتقدون أن كل مسلم مقيم في هذه الدول فهو محارب للإسلام، ما دام أنه من دافعي الضرائب”. (خارطة الإسلاميين في السعودية قصة التكفير /مختصراً/، منصور النقيدان)، وبناء على الفتوى السابق ذكرها بُرِّرت لاحقاً هجمات نيويورك وواشنطن، فلا تمييز بين مقاتل وغير مقاتل أو بين عسكري ومدني في بلاد العدو طالما أن المدنيين الأمريكيين يدينون الولاء للدولة ويدفعون ضرائبها، علماً أن بن لادن أهدر عام 1996 دم كل الأمريكيين عسكريين ومدنيين.

 

خلاصة اولية

إن عبد الله عزام، الذي بدأ مسيرته في فلسطين موطنه الأصلي، وحاول الاستمرار في عمليات قتالية عبر الأردن، وجد الطريق مسدوداً امامه فانتقل إلى السعودية ثم إلى باكستان حيث تطور فكره إلى ما دعاه إنشاء القاعدة الصلبة في أفغانستان لأسباب رآها هناك.

القاعدة الصلبة عبارة عن استراتيجية مقابلة لاستراتيجية القاعدة العريضة التي تبناها الإخوان المسلمون.

والفرق بين القاعدتين واضح، فثمة نخبوية لدى عزام تختلف عن نخبوية حسن البنا. صحيح أن الطليعة هي المولجة بإنشاء الدولة الإسلامية في الحالتين، لكن طريق عزام هو الجهاد وتأتي الدعوة ضمن سياق الأول، او التربية عن طريق الجهاد، في حين أن طريق البنا هو الدعوة والتربية في أوسع شرائح المجتمع فيتحول الحكم سلماً.

أما الخلاف الآخر بين عزام والمصريين الجهاديين، فتمحور حول العدو القريب والعدو البعيد. هنا عزام لم ينف أهمية وضرورة مقاتلة العدو القريب أولاً، لكن إذا تعذر القتال في حالة العدو القريب لا يعذر المسلمين عن مقاتلة العدو البعيد.

ورفض عزام كذلك الصدام مع الأنظمة القائمة فيما ركز المصريون على تكفير الحكام وواجب قتالهم. أما الخلاف الأخير عزام وبن لادن فكان حول التدخل في الشأن الأفغاني، واستقلال العرب بالحركة عن الأفغان أنفسهم، علماً أن بن لادن رفض الولوج في حرب المجاهدين بعد سقوط كابول، وعاد مضطراً إلى أفغانستان بعد ازدياد الضغوط على السودان، ثم اندمج في اللعبة تماماً عندما بايع الملا عمر أميراً للمؤمنين ودعم حكمه بكل الوسائل.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: