السلفية والفن نصيرة عبد العزيز

 

من يراجع أقوال وفتاوى العلماء والشيوخ الأجلاء في المسائل الفنية يجد أنها من نوع “الكلام الساكت” بالتعبير السوداني، فهو كلام لكنه لا يقول شيئا، على طريقة الفتوى الشهيرة في الغناء “حلاله حلال وحرامه حرام” التي تعرف الماء بعد الجهد بالماء!.

جربنا كثيرا -كإعلاميين- أن نستدعي مشايخنا وعلماءنا الكبار إلى هذا الملف الشائك الملتبس، وحاولنا أن نبدأ نقاشا جادا حولها عسى الله أن يفتح على أيديهم فيفككوا لنا الألغام المفخخة التي تفجرها أسئلة حقيقية تدور في ذهن المسلم البسيط الذي ارتبطت حياته -ولو من دون إرادته- بالفن وعالمه، ولكن دائمًا ما توقف العلماء والمشايخ عند حدود الباب دون ولوجه.

إجابات بلا إجابات

جاءت أغلب الإجابات دائمًا في إطار إعلان الموقف العام للإسلام من الفن، وكيف أنه يدعو إلى الفن الراقي المحترم البعيد عن الإثارة والعري، ويثمن الفن الذي يدعم قيم المجتمع ويعزز مناعاته.. وغيرها من الديباجات الأخلاقية الوعظية التي لا تجاوز الإطار العام لتشتبك مع التفاصيل، والشيطان دائما في التفاصيل كما يقول المثل الإنجليزي.

وكان لافتا أن هذا التعاطي غريب تماما مع ما يمتلكه كثير من هؤلاء العلماء من ملكات فقهية نادرة كان تفعيلها سيجيب على كثير من التساؤلات ويحل كثيرًا من الإشكاليات، ويحرر هذه المساحة التي يمكن أن تكون الأضعف في منظومة الاجتهاد الفقهي المعاصر.

كان من الممكن قبل أيامنا هذه أن نذهب إلى ما ذهب إليه البعض من أن هناك عزلة بين عالم الفقه وعالم الفن جعلت مسائل الفن وتفريعاتها مما استدق واستغلق فهمه على العلماء، وأنهما –الفقه والفن– من بحرين لا يلتقي مجراهما، غير أن الواقع اختلف بحيث يصح القول -من دون مبالغة- أنه لم يعد هناك مسلم لا يتصل بالفن بسبب من الأسباب؛ مشاهدا ومتابعا أو حتى كجزء من عالم صناعة الفن الذي يوشك أن يكون أهم ظواهر عالم اليوم. وهو ما يستدعي جهدًا استثنائيًّا من أهل الفقه في تحرير مساحة لم يعد السكوت فيها محتملا ولم يعد الاشتباك مع قضاياها بل وتفصيلاتها ترفا يترفعون عنه.

التحدي الأكبر هو أمام العلماء والفقهاء بعدما أعطى أهل الفن ظهورهم للقضية واعتبروا أن سفينتهم أقلعت، وأن ليس على الآخرين إلا اللحاق بها، وحسبوا أن على أهل الفن أن يبدعوا وعلى غيرهم أن يؤطروا أنفسهم على هذا الإبداع، تأثرا بالفرزدق الذي رفض أن يصوب له لغوي لحنه -خطأه النحوي- في بيت شعر قائلا: علينا أن نقول وعليكم أن تتأولوا!!.

تساؤلات.. مشروعة

 

لن تكون مفاجأة أن تساؤلات المسلم الراغب في وصل ما انقطع بين الفقه والفن تبدأ من أصل القضية نفسها، فما زالت هناك قطاعات واسعة من المتدينين وحتى من غيرهم تتتساءل عما إذا كان التمثيل حلالا أم حراما.. وتبدأ عنده سلسلة التساؤلات:

ما حكم التمثيل ابتداء؟

وهل يجوز للمسلم التمثيل أم يعد كذبًا وتدليسًا؟

السؤال يبدو صادمًا على الأقل بعد مائة سنة سينما في بلادنا، لكنه حقيقي بالنسبة لقطاعات كبيرة من الشباب حديث الالتزام ولديه نزعة تطهرية ورغبة جارفة في اتباع الدين. ففي أوساط هذا الشباب شاعت فتاوى انتشرت مع تصاعد التيار الظاهري في الدعوة الإسلامية، ورددها بعض المخلصين من دعاة السلفية اعتبروا أن تقمص شخصية أو ادعاء صفة -ولو على سبيل المزاح والتمثيل- حرام باعتباره نوعا من أنواع الكذب لما فيه من إيهام للبسطاء، كما استندوا في ذلك إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك الكذب ولو كان مازحا”.

وقد شهدت في مقتبل الشباب مناقشات من هذا القبيل ولم نزل طلابا في الثانوية، وأتذكر التأثير الكبير لرسالة صغيرة كتبها الشيخ محمد حسين عيسى أحد شيوخ إخوان مدينة الإسكندرية بعنوان “جواز المثل والتمثيل”، كتبها يفند حجج الرافضين للتمثيل مستندا على نصوص دينية، وقد كان لها تأثير بالغ -على صغرها- في الأوساط الإسلامية نظرا لطبيعة حجاج مؤلفها السلفية.

وينبهنا هذا المثال تحديدًا بأهمية التكامل بين النظر الشرعي والنظر الفلسفي في المسألة؛ إذ كثيرا ما يكون المشكل نابعا من معالجة السؤال بنظر فقهي لا يصاحبه اطلاع وإحاطة بالمسألة من وجوه أخرى، وأتصور أنه كان بالإمكان تجاوز مثل هذا التصور الخطأ عن مفهوم التمثيل بالعودة لكتاب مثل “التمثيل وكسر الإيهام” الذي يكشف خطأ هذا التصور.

وإذا انتقلنا إلى الإقرار بالإباحة لمطلق التمثيل سنفاجأ بسؤال لا يقل أهمية: هل يجوز للمسلم احتراف التمثيل (وما يتبعه) واتخاذه مصدرا للرزق ومهنة يعرف بها في المجتمع؟ فمهنة التمثيل ما زالت -على الأقل بين المتدينين- موسومة بكل معاني السوء التي تستلزم الازدراء والاحتقار، وما زالت نظرتنا تقوم على أننا نضحك للممثل ونعجب به، ولكن لا نعتبره ولا نزوجه بناتنا! وتزداد أهمية السؤال حين يتعلق الموضوع بالمرأة؛ إذ لو جاز العمل بالتمثيل للرجل فهل يجوز أيضا للمرأة أن تعمل ممثلة وتتخذ التمثيل مهنة؟.

وأتصور أن كثيرين ممن يشغلهم السؤال يختلط لديهم الأمر بين أصل الحق وما يرافقه، وهم لا يتصورون إلا حرمة العمل بالتمثيل؛ لأنه لا ينفصل عن الموبقات التي تنتشر في وسطه وما يلحق بأهله منها.

هذا من حيث المبدأ، ولكننا إذا انتقلنا للتفاصيل فسنواجه بأسئلة أخرى مثل:

ما المعايير التي يفترض أن تحكم مهنة التمثيل نفسها أولا من حيث اختيار الدور؟ وما هي الأدوار التي يفضل أداؤها وتلك التي لا يجوز القيام بها؟

 

 

وإذا علمنا أن من المفترض أن ينقل التمثيل صورة الواقع الحقيقي المعيش وهو لا يخلو من الشر والانحراف، فهل يقبل الممثل (وخاصة الممثلة) بأداء دور لغير مسلم أو تجسيد شخصية منحرفة دينيا أو أخلاقيا أو غير سوية سلوكيا ونفسيا وما يستدعي ذلك من تصرفات وألفاظ وحركات هي غير جائزة في الأصل شرعا؟

وهل يحاسب الممثل شرعا على الألفاظ والأفعال والإشارات غير الجائزة، مثل ما يتطلبه القيام بدور كافر أو خلافه من إعلان الكفر بالله وذم الأنبياء وعبادة الأصنام أو تعليق الصلبان.. وغيره مما يقوم به غير المسلمين؟

وإذا قام الممثل بدور مسلم؛ هل تقع على الممثل الأحكام والضوابط الشرعية التي تحكم العلاقات الحقيقية مع الآخرين مثل إعلان الزواج والطلاق في الأدوار التمثيلية (هناك فتاوى سابقة توقعها)؟ وهل يجوز للممثلة خلع الحجاب إذا كانت تجسد دورا لشخصية غير محجبة؟ وما حدود علاقتها بالممثل الذي يمثل معها (إذا كان يقوم بدور زوجها أو ابنها أو أحدا من محارمها وما يتطلبه ذلك من علاقات خاصة)؟

هناك أسئلة أخرى تتعلق أيضا بعملية التمثيل نفسها مثل السؤال:

هل يجوز التمثيل في دور العبادة (إذا كان المشهد في مسجد) أو تمثيل بعض العبادات وما قد يصاحبه من مخالفات شرعية هي بالأصل منسوبة للشخصية (مثل تمثيل واقعة زنا أو علاقة غير سوية)؟ وإذا كان الجواب بالمنع لحرمتها فهل يمكن الاستعاضة عنها ببلاتوهات للتمثيل (على أنها ستشير للمسجد أيضا)؟

وما حكم تجسيد الشخصيات الدينية مثل الملائكة والأنبياء؟ وما حجة المنع؟ وهل هناك نصوص قاطعة في ذلك أم أن روح الدين نفسه تمنع من تجسيدهم من دون نص محدد؟ وإذا كانت الإجابة بالمنع، فهل يجوز الاستعاضة عنا بمؤثرات صوتية أو بصرية (نور، سحاب، هالات بصرية)؟

ثم ما حكم تجسيد شخصيات الصحابة؟ وهل هناك فروق بينهم تسمح بمنع تجسيد البعض وجواز تجسيد الآخرين كما نرى في الفتاوى التي تحرم ظهور العشرة المبشرين بالجنة وتمنع غيرهم؟

وما حكم اللجوء إلى الصلصال والرسوم المتحركة في تجسيد الشخصيات عمومًا والشخصيات التي تحمل مكانة دينية بشكل خاص؟ هل يعد ذلك من قبيل المسخ كما يفتي البعض؟

وبعيدا عن التشخيص نجد أمامنا السيرة نفسها، ففي حال تمثيل الوقائع التاريخية خاصة المتعلقة بالأنبياء والصحابة الكرام وعظماء الأمة: هل يجوز التصرف الأدبي والفني في الوقائع بما يستلزمه العمل الفني أم لا بد من الالتزام الحرفي بها؟ وهل يجوز التطرق إلى المساحات الخاصة في حياتهم (المساحات العائلية مثلا وعلاقاتهم بزوجاتهم وخصوصياتهم) أم يكتفي بما يمثل المساحة العامة؟

أسئلة الفرجة

هذه الأسئلة ربما تستدعي مراجعة وتحريرا لمفهوم غض البصر نفسه، فماذا يعني غض البصر بالنسبة لمشاهدة الأعمال الفنية التي وجدت لتشاهد؟ وهل يمكن أن نتحدث عن فرجة من دون مشاهدة كاملة؟ وهل ينطبق على الفرجة مثلا مفهوم غض البصر كما نعرفه من تحريم النظر إلى المرأة وأن الأولى إذا كانت لنا فإن الثانية علينا؟ وهل النظر هنا هو مطلق النظر أم هو النظر بشهوة؟

وماذا عن جر هذا إلى مساحة الفرجة على الأعمال الفنية وغيرها من برامج ونشرات أخبار تقدمها مذيعات: هل هناك حظر على المشاهد/ المشاهدة في النظر إلى الممثلة/ الممثل؟ وإذا كان هناك منع أو جواز فهل هو خاص بمطلق النظر أم لحالات محددة مرتبطة بكشف العورات؟ وإذا كان سبب غض البصر هو سد الذريعة للزنا، فهل ينطبق ذلك على المشاهد التي لا تؤدي مشاهدتها إلى الزنا؟

ربما سمعنا مثلا عن فتاوى منسوبة لحزب التحرير تجيز النظر إلى صورة المرأة -فوتوغرافيا أو تليفزيونية- حتى ولو كانت بها إثارة باعتبار أمن الزنا.. فما مدى صحة ذلك وانسجامه مع روح الإسلام وفقهه؟

أسئلة الإنتاج

هناك أسئلة تتعلق أيضا بإنتاج الأعمال الفنية نفسها، وكثيرا ما تلح على من يعملون فيها من خارج فريق التمثيل (إضاءة وتصوير وغيره..) وكثير منهم يعمل بهذه المهنة من دون قناعة بها ويتساءلون: ما حكم من يقومون بتصوير الأعمال الفنية التي تجمع بين رجال ونساء؟ هل هم مطالبون بغض البصر مثلا؟ وكيف يمكن تحقيقه والعمل لا يستقيم إلا بتركيز البصر؟ وهل يجوز لهم تصوير مشاهد عائلية أو خاصة؟ وماذا إذا كان العمل الفني به بعض المخالفات الشرعية؛ هل يجوز له العمل به أم يعد مشاركا في الإثم؟ وما حكم من يقومون بالإعداد لهذه الأعمال: فريق التجميل والملابس واختيار الأزياء وصناعة التماثيل؟

سرد الأسئلة بهذا التتابع الذي يدخل في التفاصيل ربما يكون صادمًا بل ومزعجًا، لكنه يكشف إلى أين انتهت تساؤلات العقل السلفي في مسألة الفن والذي هو عقل اللحظة الحالية، كما أن أسئلته التي قد لا يتصورها المثقفون فضلا عن أن يقبلوا بالاشتباك معها هي أسئلة التيار الغالب من المسلمين، الذين يشاهدون الفن ويتمتعون به ثم يستغفرون الله منه ومن آثامه وإثم مشاهدته، بل لا يصح التزام المرء أمام نفسه إلا حين يقلع عن المشاهدة، بل هي أيضا أسئلة قطاعات كبيرة من أهل الفن نفسه يتجنبون طرحها حينا من الزمن يجمدون فيه قلق الضمير حتى إذا ضاق بهم أو ضاقوا بقلقه أجابوا بأنفسهم عنها في صورة هجرة إلى الله وتوبة تقطع كل حبل كان يصلهم بالفن وعالمه وأهله كما نرى بين الحين والآخر فيما عرف بتوبة الفنانين.

كثيرون -حتى من بين الإسلاميين والدعاة- لم يعودوا يفرحون كالسابق بتوبة هذا الفنان واعتزال هذه، بل وبعضهم يدعوهم إلى البقاء في مجال الفن لإصلاحه أو تقديم فن بديل هادف، غير أن الأمر لا يعدو الأماني التي قد يتعلق بها الدعاة والمصلحون فيما لا تمثل أي اعتبار لمن تمكن منه طلب الخلاص من حقل “الموبقات”! فما زالت الأسئلة الملحة بلا إجابات تغري الفنان -وبخاصة الفنانة- بأن يمضي في طريق كل تساؤلاته الدينية بلا إجابات مقنعة!.

كما أن أماني الدعاة ودعواتهم الملحة لا تواكبها أي مقاربات اجتهادية في الموضوع.

بصراحة باب الاجتهاد في هذه المساحة ما زال مغلقًا تحوطه الهيبة والخوف من الزلل حينا، ومن إن “يحرق” المجتهد نفسه أمام الناس أحيانا! فللجمهور سطوته كما للسلطان وليس سهلا على أي أحد تحديها، ولا يلقاها إلا ذو حظ عظيم، وليس من يتعاملون مع قضايا الناس بطريقة “سكن تسلم”! وكان الوحيد الذي قطع شوطًا في هذه المساحة هو الدكتور حسن الترابي الذي كانت له رؤية بالغة الانفتاح أو التساهل ربما في هذه الأمور مقارنة بغيره من المجتهدين السنة، وحين زرته في بيته بالخرطوم سألته عن موقفه فوجدته مختلفا تماما عن كل الفقهاء والمجتهدين فهو يبيح التمثيل وكل ما يتعلق به من دون أي ممانعة، وأذكر أنني سألته في معظم هذه الأسئلة تقريبا فما أجاب بمنع في واحد منها!.

لا يفهم من هذا الحديث الدعوة إلى تجاوز حدود الله وحرماته، فمن جاوزها ابتداء لا يُسأل في التفاصيل، وإنما أرى نفسي مثل غيري من خلق الله الذين يريدون أن تتفق سيرتهم مع ما يرضاه الله، يشاهدون الأعمال الفنية فيستمتعون ببعض منها وتعاف نفوسهم ما شذ وبالغ في الخروج عن الدين وضوابطه، ويمنون أنفسهم بإجابات تشفي الصدور، وإلا فسنظل نشاهد الفن ونستمتع به ونستغفر الله من الزلل حتى يرزقنا الله بتوبة نصوح!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: