كتاب الاخطاء الستة للحركة الاسلامية المغربية

ويرصد الكتاب ستة أخطاء منهجية نالت من واقع التدين والدعوة بالمغرب، سواء في جانبه التنظيمي الحركي أو السلفي، مع إيراد إشارات طفيفة لأخطاء التوجه الصوفي، الذي يسيطر أصحابه على تدبير الشأن الديني في المرحلة الراهنة بالمغرب.

وتأتي أهمية الكتاب نظرا لأهمية كاتبه الدكتور فريد الأنصاري، الذي يرأس المجلس العلمي بمكناس حاليا، ويشغل رئاسة وحدة الفتوى والمجتمع ومقاصد الشريعة لقسم الدراسات العليا بجامعة المولى إسماعيل بمدينة مكناس، وأستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة بالجامعة نفسها، وهو عضو مؤسس لمعهد الدراسات المصطلحية التابع لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس، كما أن له عددا من المؤلفات العلمية مثل: “التوحيد والوساطة في التربية الدعوية”، “أبجديات البحث في العلوم الشرعية”، “المصطلح الأصولي عند الشاطبية”، “البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي”.

وقد انخرط الأنصاري في سلك الحركة الإسلامية والشبيبة الإسلامية – أول التنظيمات الإسلامية المغربية – في أوج حيويتها تحت رئاسة مؤسسها الأستاذ عبد الكريم مطيع، ضمن جمعية الدعوة الإسلامية بفاس، والتي توحدت مع عدة جمعيات إسلامية أخرى لتكون “رابطة المستقبل الإسلامي”، والتي توحدت بدورها مع حركة الإصلاح والتجديد، وكونا معا “حركة التوحيد والإصلاح” في 1996م.

 لكن الأنصاري استقال من حركة “التوحيد والإصلاح” في عام 2000م؛ وذلك نتيجة لما رآه – حسب تعبيره – من انحراف عن مضامين الوحدة الدعوية. ولذا جاء الحيز الأكبر من الكتاب في نقد ما عايشه في مسارها وعمل قيادييها.

انحراف الحركة عن مقاصدها

يرى الأنصاري أن الناظر إلى عجيج السياسة وضجيج الصحافة، يظن أن العمل الإسلامي في المغرب اليوم – من حيث هو جماعات تنظيمية – بخير وعلى خير، وأنه على مواقع متقدمة في معركته الحضارية الشاملة، لكن الحقيقة أنه تخلف عما كان عليه من قبل كثيرا، وفشل فشلا ذريعا في الحفاظ على مواقعه الإستراتيجية التي كان قد استصلحها بمنهجه التربوي وخطابه الدعوي الشعبي والأكاديمي، إنه اليوم قد فقدها كلية وخرج منها مطرودا مدحورا، فصارت ظهوره عارية مكشوفة لأعدائه الإيديولوجيين، تلفحها سياطهم على الهواء، حتى انهارت صفوفه دون مقاصده الأصيلة، قد أثخنته خناجر الأهواء والأعداء جراحا بليغة.

ويجزم الأنصاري بأن الحركة الإسلامية بالمغرب تعيش كما في بعض الأقطار الأخرى أزمة حقيقية، ترجع بالدرجة الأولى إلى كونها صارت عاجزة عن أداء وظيفتها الحقيقية، والقيام برسالتها الربانية، التي كانت هي مبرر وجودها، وشرط ميلادها، ثم مسوِّغ إقبال الناس عليها في مرحلة سابقة.

الاستصنام المنهجي

 

وبحسب الكاتب، فقد تبين له أن الاتجاهات الإسلامية بالمغرب وقعت في  نوع من “الشرك الخفي”، أو ما أسماه بـ”الاستصنام المنهجي”، ذلك أنها في خياراتها الإستراتيجية الكبرى صارت إلى ضرب من “الانحراف”، عاقها عن السير في طريقها الأصيل، وأدى بأشكالها التنظيمية ذاتها إلى أن تصير حجبا لها هي نفسها عن النظر إلى مقصد “إقامة الدين” في النفس والمجتمع.

وخلص الأنصاري إلى أن هناك ستة أخطاء منهجية كبرى، هي المرجع الكلي للانحراف، والسبب الجامع لـ”الاستصنام”، تجسدت بصورة خشنة في فكر الإسلاميين وممارساتهم التنظيمية، فتعلقت بها قلوبهم رغبا ورهبا، وخلعت عليها من التنزيه والتقديس ما جعلها طواغيت وأصناما، تحجب القلوب عن إخلاص الدين لله! وهي:

الخطأ الأول: استصنام الخيار الحزبي.

الخطأ الثاني: استصنام الخيار النقابي.

الخطأ الثالث: استصنام الشخصانية المزاجية.

الخطأ الرابع: استصنام التنظيم الميكانيكي.

الخطأ الخامس: استصنام العقلية المطيعية.

الخطأ السادس: استصنام المذهبية الحنبلية في التيار السلفي.

استصنام الخيار الحزبي

إن أكبر خطيئة وقعت فيها الحركة الإسلامية بالمغرب في نظر الأنصاري، هو اتخاذ “حزب سياسي”، ويقصد بذلك حزب “العدالة والتنمية” الذي يقوده الدكتور سعد الدين العثماني، ويقول بهذا الخصوص: “لقد صار الإسلاميون يشتغلون في الشك، وقد كانوا – من قبل – يشتغلون في اليقين! وكانوا إلى الإخلاص في الأعمال أقرب، ثم صاروا إلى خلط مبين! فانتقلوا بذلك من مقاصد العبادات إلى مقاصد العادات، ألهاهم التلميع والتسميع، وانخرط كثير منهم في الحزب على حرف، تماما كـ (من يعبد الله علَى حرف فإن أصابه خير اطمأن بِه وإن أصابته فتنة انقَلَب علَى وجهِه خسر الدنيا والآخرة ذَلك هو الخسران المبِين)، إن اتخاذ “الحزب” في العمل الإسلامي هو أشبه ما يكون بـ “اتخاذ العجل” في قصة بني إسرائيل”.

ويرى الأنصاري أن العمل الإسلامي بالمغرب كان عطاؤه الأول جيلا من الخيرات والبركات، ثم جاء الحزب السياسي فأتى على ذلك جميعا، تماما كما دمَّر “السامري” كل الرصيد الإيماني لبني إسرائيل، بعد غيبة موسى.

ويرى أيضا أن الاستصنام الحزبي جعل كثيرا من أبناء العمل الإسلامي منشغلين بهموم الناس الدنيوية فقط، ثم جعلوا بعد ذلك لهمومهم الشخصية من تلك الهموم حظا.

وفي تحليله لهذا الخطأ، يرى الأنصاري أن الإسلاميين انخرطوا في بناء خطاب مادي بالدرجة الأولى، يحلل الأزمات الاقتصادية ومشكلات البطالة، والرد السياسي على الهجوم الإلهائي، الذي يصدر عن بعض متعصبي اليهود والنصارى، أو عن بعض زنادقة المسلمين، فيُخرِجون المظاهرات، وينظمون المسيرات، ثم يئوبون في المساء إلى مواقعهم سالمين، مطمئنين إلى أنهم قد أنجزوا من “النضال” ما يشفع لهم عند الله يوم القيامة.

ويحكم على تجربة العمل السياسي للإسلاميين بالمغرب بالفشل بكل المقاييس الشرعية والسياسية؛ بسبب أن الإسلاميين حاولوا قطف ثمرة لم يأت وقت قطافها، فتجرعوا مرارة فاكهة لم تنضج بعد.

وكبديل عن الحزب السياسي، يرى الأنصاري أنه بإمكان الحركة الإسلامية بالمغرب أن تصل إلى أفضل النتائج السياسية دون أن تتخذ لها حزبا، من خلال اشتغالها بالدعوة، وتكون بذلك حاضرة برجالها وأفكارها في كل ميدان، منتشرة في كل قطاع: من المسجد إلى المعمل ثم إلى الإدارة، ومن التعليم إلى الإعلام ثم إلى الاقتصاد، وأنه كان بإمكانها أن تجعل بعض الأحزاب السياسية الأخرى تنخرط في تطبيق الممكن من برامجها السياسية، دون أن تنزلق هي إلى شَرَكِ الاستهلاك التجزيئي لقوتها.

استصنام الخيار النقابي

يرى المؤلِّف أن الحركة الإسلامية دخلت التجربة النقابية بلا تروٍّ، ولا تأصيل، وأنها قامرت برصيدها الأخلاقي والديني، بخوض غمار عمل ما يزال مشبعا بلغة الصراع الطبقي، والمقولات الماركسية في الفكر الاقتصادي، والنظريات الاشتراكية في قضايا العمل والعمال.

ويعتقد الأنصاري أن الحركات الإسلامية تورطت في تأجيج إضرابات عن العمل – على طريقة التنظيمات الماركسية والأحزاب الانتهازية – للضغط السياسي على إدارات معينة، من أجل تمرير ملفات أخرى لا علاقة لها بمصالح العمل والعمال، لا من قريب ولا من بعيد، فأسهمت بذلك – من حيث تدري أو لا تدري – في تربية أبناء الحركة على الكذب والخداع، وسوء الأخلاق في المناظرة والحوار، وما كان ينبغي أن نسابق اليسار نحو الهاوية.

وينتقل بعد ذلك إلى انتقاد النقابة الطلابية “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب” المختصرة تحت اسم “أوطم”، وقد أسماها الأنصاري بـ “الصنم الأوطمي”.

ويزعم أن النقابة الطلابية انخرطت في معارك ضد العلم وضد الأخلاق، فخسرت مصداقيتها عند الطلبة، والأساتذة، والإدارة الجامعية، والناس أجمعين.

استصنام الشخصانية المزاجية

يرى الكاتب أن من مظاهر الاستصنام غياب القيادات العلمية الرسالية الربانية الحكيمة، وتصدي الزعامات اللاعلمية لقيادة العمل الإسلامي، وذلك على المستوى العالي والمتوسط من الهرم الإداري؛ مما أدى إلى استصنام “شخصاني” لتلك القيادات، وإلى رسم معالم السير الحركي بناء على مزاجها، لا بناء على قواعد العلم وأولوياته الشرعية.

ومن المظاهر كذلك: تضخم “الأنا التنظيمية” في الجماعات، وتمجيد الذوات.

استصنام التنظيم الميكانيكي

ويقصد بالتنظيم الميكانيكي: الأسلوب الإداري التنظيمي الذي يعتمد البناء الهرمي العمودي في إدارة العمل وتسييره، إذ إنه يعاني من مشكلة التقوقع الحزبي، بما يشكل لديه فضاء داخليا مختنقا، لا يتيح للمنتسبين إليه أن يتنفسوا خارجه.

ثم ينتقل بعدها إلى انتقاد ما أسماه بـ “استصنام الهوى الديمقراطي”، إذ إن مشكلة الحركة الإسلامية في رأي الكتاب أنها وضعت الديمقراطية بآلياتها في غير موضعها، فانتخبت رجالها بأصوات عوامها، لوظائف الشورى، ووظائف التشريع الدعوي، والتوجيه المنهجي الإسلامي، بشروط الديمقراطية لا بشروط شرع الله، فتقدم دهاة السفهاء وتوقف حكماء الفقهاء.

ويقترح بديلا لذلك “التنظيم الفطري” الخالي من المراتب والألقاب، الذي لا مجال فيه للأحلاف والأقطاب، ولا مكان لبناء التماثيل والأنصاب، ثم تسند الاختصاصات إلى أهلها، بلا لغو انتخابي، ولا عبث ديمقراطي، وإنما الشورى الإسلامية المتأنية.

استصنام العقلية المطيعية

بعد ذلك ينتقل الكاتب إلى الحديث عن “استصنام العقلية المطيعية” وإفشال الوحدة التاريخية للحركة الإسلامية، ويقصد بالعقلية المطيعية ذلك المنهج الحركي الذي كان يتبعه “عبد الكريم مطيع” مؤسس حركة الشبيبة الإسلامية، التي تأسست بالمغرب في أوائل السبعينيات من القرن الماضي، وهي قائمة – في نظره – على المناورة والخداع.

ويعطي الأنصاري بعدها لمحة تاريخية سريعة عن تاريخ الحركة الإسلامية بالمغرب، ليخلص إلى فشل الوحدة التي تمت بين حركة الإصلاح والتجديد ورابطة المستقبل الإسلامي، ثم الفشل في تقديم منتجها “الإسلامي” على مستوى الهدف، والمتمثل في إقامة الدين، وعلى مستوى الوسائل الوظيفية المتمثلة في “الدعوة والتربية والتكوين”، ثم على مستوى الشورى.

ويقول الكاتب في هذا السياق: “تزعم حركة “التوحيد والإصلاح” أنها نموذج متميز لتطبيق مفهوم الشورى الإسلامي على المستوى الداخلي للحركة، بل هناك من قادتها من يرى أنها أمثل نموذج على مستوى العالم الإسلامي كله، سواء في بناء الهياكل، أو في اتخاذ المواقف والقرارات، وأنا أزعم – كعضو سابق في المكتب التنفيذي، ومجلس الشورى، والجمع العام، وبعض اللجان الوظيفية، وكمشرف سابق أيضا على العمل الطلابي – أن ذلك كله مجرد وهم، بل الحقيقة المرة أن “الحركة” من أقدر التنظيمات الإسلامية على تطبيق “الديمقراطية” بمفهومها السياسي، أعني الديمقراطية بما هي قدرة سحرية خارقة على إيهام الجموع العامة، والمؤسسات الشورية أن أعضاءها قد شاركوا، وأنهم قد عبَّروا، وأنهم قد رأوا، وما هو – في الواقع – قد رأوا شيئا، حتى إن المشارك فيها لا يكاد يدرك أحقيقة هي أم خيال! وما رأيت في حياتي أشبه من شورى الإخوة – أو ديمقراطيتهم – بلعبة الخيط القمارية”.

استصنام المذهبية الحنبلية في التيار السلفي

بعد عرضه للمحة تاريخية عن التيار السلفي بالمغرب، ينتقل الكاتب إلى ذكر ما أسماه بالاختلالات التصورية والانحرافات السلوكية عند هذا التيار، ومنها: اصطدامه بصخرة المذهبية، إذ كان من أخطائه المنهجية الكبرى أنه استهان بأمر الخصوصيات المذهبية للمغرب، وأن ذلك أدى إلى فشل مشروعه الإصلاحي، فضلا عن الإعراض عن المذهب المالكي واختلال الأولويات، وبعد ذلك انتقل إلى غلو هذا التيار في التحقيقات العقدية، والخطأ المنهجي الثالث: مواجهة التصوف بإطلاق، بلا تمييز بين أشكاله ومسالكه، ولا بين صالحيه وفجاره، والخطأ المنهجي الرابع حسب – صاحب الكتاب – هو تضخم الشكلانية المظهرية، حيث صار المظهر الخارجي هو المقياس الأساس لسلامة الدين لدى كثير منهم، ثم ينتقل إلى الخطأ المنهجي الخامس، والمتمثل في الارتباط المادي المشروط ببعض الدول المشرقية.

رسالة إلى الحركة الإسلامية

ويختتم المؤلِّف كتابه بتوجيه رسالة إلى الحركة الإسلامية بقوله: “ألم يأن للحركة الإسلامية أن تتوب إلى ربها، وتمسِّك بكتابها، فتحطم أصنامها، وتكسر أغلالها، وتسلك مسلك التلاوة للكتاب؟.. فهل تعود الحركات الإسلامية إلى إخلاصها التعبدي، وإلى صلاحها المنهاجي، وانتشارها الدعوي؟.. وهل يعود خطابها إلى عمل رسالة القرآن، وأخلاق القرآن، وأولويات القرآن؟.. ثم هل تعود التيارات السلفية إلى سلفيتها، وإلى إخلاص دينها، والتعريف بربها، وترك شقاقها ونفاقها؟.. ثم هل يعود التصوف إلى روائه، وجمال صفاته، وترك غلوائه وشطحاته، وتصحيح منازله وأحواله، وعرض كل ذلك على قواعد العلم وموازين الكتاب والسنة؟”.

تساؤلات حول الكتاب

إن صدور هذا الكتاب يطرح أكثر من علامة استفهام، خاصة في هذه الظروف التي تمر بها المغرب، ومن هذه التساؤلات:

* هل لطرح الكتاب في ذلك الوقت علاقة باقتراب الانتخابات التشريعية المغربية، والتوجس من حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي؟.

* هل جاء الكتاب استجابة لتقرير “راند”  حول الحركات الإسلامية؟.

* وهل الكتاب الذي يدعو بالويل، والكثير من الحقائق غير المتبين من صحتها أو عدم صحتها، هو النموذج المنشود؟.

هذه الأسئلة وغيرها نطرحها لمزيد من النقاش وتحريك الماء الراكد من أجل الوصول إلى نتيجة أسمى غير آسنة

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: